القـــياس النفسي

اهلا وسهلا بالزوار الكرام يسرنا ان تنضموا الى الأســره النفسيه عن طريق التسجيل والمشاركات او المساهـــــمات
القـــياس النفسي

مــــوقــــع عراقي يهتم بالقياس النفسي والاختبارات النفسيه والعلوم النفسيه والتربويه بأاشراف الاستاذ المساعد الدكتور عبدالــحسيــن رزوقي الجبـــوري


    اغتراب المثقف العراقي بين واقعية الدين وآلية السياسة الدكتور عبد الحسين رزوقي الجبوري 2010

    شاطر
    avatar
    د.عبد الحسين الجبوري
    Admin

    عدد المساهمات : 118
    تاريخ التسجيل : 24/03/2012
    الموقع : كلية التربية ابن رشد /جامعة بغداد

    اغتراب المثقف العراقي بين واقعية الدين وآلية السياسة الدكتور عبد الحسين رزوقي الجبوري 2010

    مُساهمة  د.عبد الحسين الجبوري في الجمعة أبريل 20, 2012 10:18 pm

    اغتراب المثقف العراقي بين واقعية الدين وآلية السياسة
    الدكتور عبد الحسين رزوقي الجبوري كلية الترية ابن رشد/ جامعة بغداد
    بحث منشور في العدد الثامن من مجلة (ثقافتنا) للعام 2010 وزارة الثقافةالعراق

    يسعى العراق أن يحصل فيه تطورا سريعا في جميع المجالات غايته أن يلحق ركب التقدم العالمي، و لتحقيق ذلك فهو بحاجة مستمرة إلى القوى البشرية المتمثلة بأبنائه ذوي العقول الراجحة لشيوع المعرفة و الثقافة بألوانها المختلفة ، وهذا يجري في عالم يتسم بالصراعات السياسية ، والمشكلات الاقتصادية وشيوع المادية ، وقصور الجوانب الوجدانية ، وإهمال العلاقات الشخصية والإسراف في الفردية والتنافس وتدهور القيم الراقية ، وتلوث البيئة
    ويتأثر المثقف عادة بمثل هذه التطورات المتلاحقة التي تترك آثارها على إبداعاته فبمقدر حالة التلاؤم مع تلك التطورات ينجم عنها التعايش السليم مع متطلبات بيئته ، أما إذا واجه صعوبة قي التلاؤم مع التطورات الجديدة فأنه يكون عرضة لمشكلات نفسية واجتماعية واقتصادية .
    ويمكن القول أن مشكلات المثقف النفسية والاجتماعية والشخصية تنشأ عادة حينما يصاحب تعقد ظروف الحياة في المجتمع أو يترتب عليها مظاهر سوء توافقه مع المعطيات الجديدة تجعل لديه حالة من الاغتراب تلازمه وقد يواجه صعوبات في حياته لا يستطع أن يتوافق بسهولة مع الظروف السائدة فيها ، فكل ما يعاني منه نفسيا له جذوره الاجتماعية وكل ما يعاني منه اجتماعيا له أصداء وانعكاسات على نفسية المثقف ومن هنا كان التلازم والارتباط العضوي بينهما.
    أن هدف هذه الدراسة التعرف على مفهومي الثقافة والاغتراب وإلقاء الضوء على اغتراب المتثقف العراقي والكشف عن تأثيرات الدين والسياسة في مجرى حياته وإبراز سبل مواجهة سبل هذه التأثيرات.
    يمثل المثقف ألعراقي يمثل احد شرائح المجتمع المهمة فمثلما تتوجه الأنظار إلى رجال الدين والسياسة لمعرفة ما يدور في الشأن العراقي فالأنظار تتجه أيضا للمثقف العراقي لمعرفة وجهة نظره في الإحداث الراهنة والمصيرية، فالثقافة تبدو على أنها نقطة الالتقاء بين الدين والسياسة رغم اختلاف منهجية العمل في كل منها فتارة يقترب رجل الدين بتصرفاته إلى السياسة وكأنه رجل سياسة من الطراز الأول وتارة أخرى يقترب رجل السياسة بتصرفاته إلى الدين وكأنه رجل دين ولكن ليس في جميع الأحوال فربما نجد هناك رجل دين ليس له صلة بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد ، يرى الحياة عبادة وتقرب إلى الله سبحانه وتعالى وهذا النمط نرى عالمه هو ما يكتب في بطون الكتب وليس ما يدور من حوله و يدع السياسة للسياسيين وبالمقابل نرى سياسيا همه الأول والأخير السياسة ليس له من الدين إلا الشكل الظاهر ولكن بين هذه المواقف يبقى العامل المشترك في مضامين الدين والسياسة إلا وهو الثقافة ، فالثقافة يصعب تحديدها تحديدا دقيقا و ليس من السهل على أي باحثا أو مثقفا أو مفكرا في هذا العصر أن يضع مفهوماً محدداً للثقافة، في عصر يشهد تطور سريعا للعلوم وتكنولوجيا المعلومات وعلوم الفضاء والهندسة الوراثية ، فضلا عن تطور العلوم الحديثة في اللغة، وعلم النفس والاجتماع، والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد. لذا فليس هناك تعريفا جامعا مانعا للثقافة ومن مكوناتها يمكن تصنيف المثقف بغية تحديد عوامل اغترابه في هذه الدراسة ، ونظرا لتعدد تعريفات الثقافة في العلوم الإنسانية المختلفة من تاريخ وفلسفة وحضارة ، وعلم اجتماع ، وانثربولوجيا وسياسة وقانون . وتنوعها فإنه من المحير الركون إلى تعريف محدد ولكن يمكن الأخذ بتعريف الانثربولوجيا المعاصرة للثقافة على الأقل لتحديد هذا المفهوم في هذه، إذ يعرف عالم الانثربولوجيا الانكليزي ادوارد تايلور ( 1832 ) الثقافة في كتاب الثقافة البدائية ( Primitive culture ) بقوله : " الثقافة هي الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات ، والفن والأخلاق والفنون والعرف، وأي قدرات أو عادات أخرى ليكتسبها الإنسان كعضو في المجتمع "
    إن الثقافة وفق هذا المعنى تعني " كل نشاط ذهني أو مادي يقوم به الإنسان لكي يسيطر على الطبيعة الجامدة ، أو الحية ، ويعلو على مسألة الخضوع والتقبل السلبي لها " ودون أن ننساق وراء هذه التعريفات تكفينا الإشارة إلى أن " الثقافة بالمعنى العربي الأصلي للكلمة تعني سرعة التعلم والحذق والفطنة وثبات المعرفة بما يحتاج المرء إليه " ولكن معنى الثقافة هذا لم يرد بنفس المصطلح إذ لم يكن متداولا في تاريخ العلوم العربية القديمة وخاصة العلوم اللغوية إذ تجدر الإشارة إلى أنها كانت ترجمة لكلمة ( Culture ) اللاتينية والتي تعني حسب معجم أكسفورد الانكليزي المختصر "تهذيب الذوق "، وأساليب التعامل وتنمية العقل عن طريق التعليم والتدريب على التفكير الدقيق ومهما يكن فان الثقافة تنقسم إلى قسمين ثقافة بدائية وثقافة علمية " أما الثقافة البدائية فإنها لا تعدو إن تكون طريقة حياة كلية كما هو الحال في المجتمعات البدائية بينما الثقافة العلمية هي التي تقوم على معرفة القراءة والكتابة وتوظيفها من قبل المثقف في تعاملاته اليومية مع من حوله غايته تطوير المجتمع وتغيير أنماطه ، فهي من وسائل تعديل السلوك وتغييره نحول الأفضل ، وتكون بأنشطة متنوعة معرفية و فكرية وإبداعية وحضارية بما يساير التطور الحاصل في المجتمع
    أن الحياة المعاصرة شهدت تطورات برزت بشكل كبيير ، اختزلت الزمان والمكان، فأصبحت المعلومات ورؤوس المال تنتقل في زمن قياسيا، مخترقة الحدود ، فألقت هذا التطورات بضلالها على أداء المثقف ، إذ جعلت من المثقف العراقي في صراع بين ثقافة العولمة وعولمة الثقافة وبقي يتأرجح في رؤيته بين متغيرين رئيسين هما الدين والسياسة فهو في حيرة من أمره أ يخضع لإلية السياسة أم لواقعية التدين ومتطلباته؟ فربما هذه الحيرة قد تكون مصدرا لاغترابه الثقافي ، والغريب أنها تحصل للمثقف في وقت تعمقت ثورة الاتصال والمعلومات علاوة على ذلك التطورات السياسة والفكرية والانفتاح العالمي بين الأمم يقابلها انتشارا للفكر الديني والفكر السياسي بمسميات متعددة من صحافة ومجلات وفضائيات فكل تصرفا يقوم به المثقف على الأغلب يصنف المجتمع الذي يعيش فيه إما مباحا أو ممنوعا أوحلالاً أو حراما إذا كان التصرف والسلوك يقع ضمن توجهات الدين قي أوامره ونواهيه أوقد يصنف حرية أو قهرا أو مسموحا أو مقيدا إذا خضع ذلك التصرف والسلوك لرؤية السياسة فكل موقفا يقوم به المثقف يخضعه شعوريا إما إلى دين أوالى السياسة وفي ضوء هذه الأطر والمساحة المتاحة للمثقف يكون عطائه الفكري فيمكن إن نسمي ذلك بالفضاء الثقافي للمثقف العراقي ، هذا الفضاء كلما تلبد بالمشكلات الثقافية تجعل من المثقف يعيش حالة اغتراب مزمنة فبعد إن مر زمنا كان قسما من المثقفين العراقيين يقول عكس ما تضمر به قلوبهم وليس يقصدون بما يقولون بسبب السلطة الباطشة قبل التغيير أدت إلى جملة من الصعوبات لازمت ثلة من المثقفين العراقيين المتمثلة بتسلط النظام السياسي الواحد، وكان أشدها لمن يتجرأ ويبدي رأيا مغايرا إن يدفع حياته ثمنا لموقفه أو السجن و الاعتقال ، ومن لم يلق ِ القبض عليه فكان مصيره الهرب إلى خارج الوطن حيث المنافي التي صارت ملاذا له ومن بقي طليقا ولم يقع في قبضة السلطة بقي سجينا بين ذاته الإنسانية مغتربا حزينا يعيش إحساسا بالعزلة وغربة في الهوية كل هذا مهد إلى أن تتولد لدى الكاتب والمثقف العراقي فوبيا الكتابة وفوبيا الحديث فأن أراد المثقف الحفاظ على حياته فأي نشاط يقوم به لابد أن يكون ممزوجا في مدح النظام الحاكم وأي خروج عن هذه الرؤية فقد يكون مصيره السجن او الموت وهذا القسوة التي انتهجت بحق المثقف العراقي لم تثني بعض المثقفين بل نجدهم وهم الكثرة الكاثرة ويمكن أن نتذكرهم بالأسماء تجاوزوا أسوار الخوف وتصدوا تصديا مباشرا للواقع الذي حولهم قولا وكتابة فدفع البعض نتيجة لهذا التصدي إما أن يموت مقابل أن يحيا الفكر أو التعذيب والتشرد أو السجن وكان ما يقوله هذا النمط من المثقفين أو يكتبوه وقعه أشد ألما على الجلاد من سوطه الذي سلطه على جسد المثقف ولكن في المقابل نجد البعض الأخر من المثقفين الذين لم يتجرؤوا في مواجهة السلطة وأيضا رفضوا مجاراتها السلطة الحاكمة تراهم أما خفت أصواتهم أوجف حبر أقلامهم أو غادروا مركب الثقافة إلى شاطئ يعتقدون انه ينجيهم من بطش السلطة وكان المثقف الذي يريد أن يكتب او يقول قبل التغيير نراه يراجع ما يكتبه مرات ومرات لئلا يكون قد كتب كلمة أو رمزا تؤول على أنها مساس بالحاكم أ والسلطة فهذه المخاوف أدت إلى انحسار الكتابة وقلتها ولو حدث إن كتب المثقف العراقي مقالة فأن ما كان يكتبه يدور في فلك واحد، وكانت ثقافة الخوف هي السائدة لديه وبالمقابل هناك ثلة من المثقفين الذين غادروا العراق وعاشوا خارجه لم يستسلموا للغربة عن الوطن فكان نتاجهم الثقافي يمثل رؤية العراقي الأصيل وترى العراق في نشاطهم الثقافي يعيش بين حنايا إضلاعهم وكانت أصواتهم وكتاباتهم الهواء النقي الذي نشم فيه الفكر النقي وبعد التغير الذي حصل بالعراق وانتهاء الدكتاتورية بدء المثقف العراقي يتطلع إلى عصر جديدا شاعرا فيه أن الإنسان يتطور نحو الأفضل بمقدار ما تتاح له من حرية وإمام التغيرات السياسية وتياراتها أضحى المثقف العراقي بين تجاذب الدين والسياسة هل هو مع الدين أم مع السياسة أو كلاهما؟ وهل ما يكتبه يحسب له أم ضده؟ منطلقا من النظرة السائدة في المجتمع العراقي أن الإنسان العراقي في سمة من سماته يصنف الآخرين حسب ما يتحدثون ، فمن تحدث بالدين وصفوه بالتدين ومن تحدث في العلمانية وصفوه علماني هذه الإحكام المتسارعة وغير المتعمقة جعلت من المثقف العراقي يخشى التصنيف ويحسب على جهة ما في الوقت الذي لا ينتمي إليه هذا التصنيف تجعل من المثقف مغتربا عن عالمه الذي يعيش فيه يزيد إلى ذلك ظهرت تسميات جديدة غير مألوفة سابقا من قبل ، و أراها غير مناسبة وهي مثقفي الداخل ومثقفي الخارج والتحسس من لمن عاش في الخارج في وقت يمكن أن يركز المثقف العراقي على أصالة المثقف وتفاعله مع الآراء في عصر نعيش مع الإحداث العالمية لحظة بلحظة ونطلع على ثقافات الشعوب أول بأول وهذا بفضل ما وفرته تقنيات العولمة ، و في عصر سمته الثقافية الغالبة مرتبطة إلى حد كبير بالإنتاج الثقافي العالمي الذي يهيمن عبر اللغة الإنجليزية على اغلب وثائق الانترنت والمكالمات الهاتفية، و مراكز البحث العلمي والاختراع العلمي في العالم كله، فلم تعد الفجوة بين البلدان المتقدمة والعراق مجرد فجوة موارد بل أضحت كما يقال "فجوة معرفية" بدرجة أساسية نتيجة الثورة الهائلة في تكنولوجيا المعلومات والاتصال التي برزت في نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين ، إذ تطورت تكنولوجيا الاتصال، في البلدان الصناعية المتقدمة تقدما سريعا فيمكن أن نتساءل إلى أي مدى استجاب المثقف العراقي لهذه التطورات ؟ وقبل هذا وذاك نجد من المؤسف نتيجة للظروف السياسة التي مر بها العراق منذ نشأة الدولة العراقية والسياسة التربوية في تصميم و إعداد الكتب المدرسية ذات الصلة بتدريس اللغات نجد أن اللغات المحلية مهملة في مدارسنا مما جعل كثيرا من المثقفين العراقيين وغير المثقفين لا يحسن التحدث إلا في لغته التي تعامل بها في طفولته ، في وقت هناك يتحدث في العراق بثلاثة لغات أو أكثر مما أسهم إن يبقى المثقف العراقي لا يعرف إلى لغته لا يخرج عن جلبابها متناسيا إن الانفتاح على اللغات الموجودة في العراق وتعلمها يصب في تطور الثقافة العراقية وتطور شخصيته المثقف العراقي وهذا يمكن تصنيفه احد بوادر اغتراب المثقف عن مجتمعه ، يزيد إلى ذلك أن الكثير من المثقفين لا يجيدون التحدث بلغات أجنبية ويصعب تواصلهم مع المجتمع العالمي لأنهم يفتقرون إلى اللغة الأجنبية فعوامل اغترب المثقف العراقي متشابكة ، منها الاجتماعية والنفسية والإنسانية والفلسفية والثقافية والفنية والروحية لذا لا يمكن حصر اغتراب المثقف العراقي بالسياسة والدين بمعزل عن جملة محددات تتمثل في اللغة والفن والفلسفة والاقتصاد والشعور بالأمان فليس السياسة والدين مصدرا لاغترابه بعيدا عن المحددات المتنوعة
    أن الاغتراب هو الحالة السيكو اجتماعية التي تسيطر على المثقف العراقي سيطرة تامة تجعله غريباً وبعيداً عن بعض نواحي واقعه الاجتماعي، فهو يريد أن يكون مثل ما عليه من مثقفي العالم المتحضر متناسيا أن عقدة الخوف لازالت مسيطرة على تفكيره ولكي لا ينطبق عليه المثل القائل "مقتل الرجل بين فكيه" يظل ما ينطقه أحيانا عكس ما يضمره .
    أن المثقفين العراقيين ينظرون إلى من حولهم بنظرات متباينة ، إذ قسما من المثقفين يشجعون على تعرف الواقع وتحدياته ، ويحرصون على الاستجابة لتحدياته، ولا يرون غضاضة من الاستفادة من كل مفيد وحسن في الثقافة الغربية، إذا كانت تخدم مصالح المجتمع وهذا أمر يقره الإسلام بل قد يصل به إلى مرحلة الإيجاب تأسيسا على (الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها). وهنا تبرز ثلاثة وجهات نظر فهناك من يقف إلي جانب الثقافة كليا ويرفض وضع أية قيود دينية على المثقف بدعوى حرية التعبير ،وهو هنا في الواقع يكون قد رفض الدين تماما والاتجاه الأخر الذي يصفه البعض بالمتشدد هو الذي يرفض أي خروج علي القواعد الأصيلة للدين ،والثوابت تحت أي مسمي وبالتالي يرفض أي نوع من الثقافة يظهر فيها مظاهر وعادات غربية تعتبر محرمة دينيا وهو ما تتبناه الفتاوى المتشددة. أما الاتجاه التوفيقي هو ما يحاول الجمع بين الاتجاهين من خلال وضع قواعد دينية وأخلاقية ينبغي علي المثقف الالتزام بها، ورغم ما يبرزه هذا الاتجاه من رغبة جادة للخروج من الأزمة المتعلقة بعلاقة الثقافة بالدين والسياسة إلا انه يواجه المثقف صعوبات تجعله يعيش أزمة مع الذات وأزمة مع من حوله لذا فان الحديث عن المثقف العراقي بدون الحديث فيه عن تأثير الدين والسياسة في مواقفه نبقى عاجزين لان النتاج الثقافي العراقي يدور إما بفلك الدين أو السياسة وهذا النظرة ليست وليدة اليوم لأن الثقافة ارتبط بهما منذ فترة لبست بالقريبة ومن هذا يعد الاغتراب الثقافي هو أما اغترابا عن السياسة أو اغترابا عن لان كلاهما شأنا أم أبينا لهما تأثيرات في المشهد الثقافي العراقي .
    لقد ازداد اهتمام الباحثين خلال النصف الثاني من القرن العشرين ،ولحد ألان بدراسة الاغتراب كظاهرة انتشرت بين الأفراد في المجتمعات المختلفة بصورة عامة كما كانت ولا تزال شائعة لدى المثقف العراقي بصورة خاصة، وربما يرجع إلى ما لهذه الظاهرة من دلالات قد تعبر عن أزمة الإنسان المعاصر ومعاناته وصراعاته الناتجة عن تلك الفجوة الكبيرة بين ما يحصل من تقدم مادي يسير بمعدل هائل السرعة ، وتقدم قيمي ومعنوي يسير بمعدل بطئ الأمر الذي أدى بالمثقف إلى الشعور بعدم الأمن والطمأنينة حيال واقع الحياة في هذا العصر ، بل وربما نظر المثقف إلى هذه الحياة وكأنها غريبة عنه ، أو بمعنى آخر الشعور بعدم الانتماء إليها ، ولعل ذلك يبرر انتشار استعمال مفهوم الاغتراب في الموضوعات التي تعالج مشكلات الإنسان المعاصر ، بل أصبح من المألوف في الوقت الراهن بصورة متزايدة أن نسمع عن تفسير ما يدور في الحياة في عصرنا الراهن من خلال مفهوم الاغتراب .
    لقد استقطبت ظاهرة الاغتراب التي يعيشها المثقفين وما تتركه من انعكاسات سلبية على صحتهم، وحيويتهم، وتطورهم، العديد من الباحثين في مختلف أنحاء العالم قاطبة وهذا ما يدلل عليه حجم الدراسات التي صدرت وتصدر عنهم، والتي تناولت موضوع الاغتراب بمختلف أنواعه بالبحث والدراسة. وذلك نتيجة للتطورات الكثيرة التي تواكب هذا العصر، والأهداف المتغيرة المتوالية يوماً بعد يوم ولحظة بعد أخرى، حيث سمته التسارع مع وتيرة الزمن وارتفاع في مستوى الطموح والتغير الثقافي.
    أن الباحثين والفلاسفة في عصرنا الحاضر يتداولون معنى الاغتراب (Alienation ) نظرا لشيوع وانتشار ظاهرة الاغتراب في الفكر والدراسات المعاصرة.
    أن الاغتراب ظاهرة إنسانية امتد وجودها ليشمل مختلف أنماط الحياة الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية، وفي كل الثقافات،ولا يقتصر ذلك على المثقف العراقي إذ تزايدت مشاعر الاغتراب لديه نتيجة للظروف المتناقضة التي يعيشها المثقف، فهو صراع بين مجتمع فيه الدين يدعوا إلى التعاون والألفة والمحبة والتسامح يقابله روح التنافس والتصارع الذي تدور فيه رحى السياسة وفي عصر أصبح من سماته البحث عن المادة، أدى إلى شعور المثقف بالكثير من المشاكل والاضطرابات، والتي جاء في مقدمتها ظاهرة الاغتراب التي لفتت انتباه الباحثين والدارسين وكانت محط اهتمامهم الأول.
    فمن يبحث في مصطلح الاغتراب (Alienation) تاريخيا يجد لها استعمالات متنوعة في التراث الديني، الفلسفي، السيكولوجي والسياسي والثقافي ، فقد ارتكز مفهوم الاغتراب الثقافي في أدبيات الاغتراب على فكرة الأداء الثقافي ، بمعنى شعور المثقف بمدى قدرته على التأثير ثقافيا في وضع محددات ثقافية ترتقي إلى نبذ العنف وقبول الأخر والتعايش بأمان وسلام ، واستعمال الكلام بدلا من السلاح والتأثير الايجابي في مجريات العملية السياسية، سواء على مستوى القرار السياسي، أو مستوى الأحداث الناتجة عنه في المجتمع الذي يعيش فيه، وعلى هذا الأساس عد المثقف الذي يعيش حالة الاغتراب انه يشعر بضآلة الفرص أمامه للتأثير على هذه العملية في المجتمع و بأنه مغتربا ثقافيا عما تدور من حوله من أحداث.
    و تأتي أهمية دراسة الاغتراب الثقافي للمثقفين بوصفه موضوعاً يرتبط بالحياة الاجتماعية ، و الأدوار الاجتماعية المتوقعة لهم ، وهم يمرون بظروف صعبة للغاية تركز فيه شبكة الإنترنت التي هي من أهم وسائل العولمة الثقافية التي تسعى إلى الاكتساح الثقافي وإلى إحلال التبعية لثقافة الغرب محل الأصالة النابعة من عقيدة المجتمع الذي نعيش فيه، فما تنقله من أفكار يمثل حروب أدمغة لا أسلحة، فضلا عن ما تمثله من تحدٍ معلوماتي يتطلب من المثقف العراقي أن يكون بمستوى ما يجري في العالم من تغيرات ويتقبل المفيد منها.
    ويعد اختراع الانترنت من أهم الاكتشافات البشرية منذ اكتشاف الآلة الطابعة، إذ يتمكن المثقف الوصول إلى المواقع المختلفة، والاتصال بالمشركات والجامعات من خلال استعماله هذه التقنية الجديدة .
    أن دراسة الاغتراب يرمي إلى تسليط الضوء على معانات المثقفين بغية وضع الأسس العلمية للارتقاء بقضاياهم، وبهم سياسيا و ثقافيا و اجتماعياً واقتصادياً.بما يحقق دورا ايجابيا لعطائهم الثقافي وتنبع أهمية الدراسة الحالية في أنها تبحث موضوعاً جديداً ومهماً للثقافة والمثقف من الناحية التاريخية ، وكان لمصطلح الاغتراب (Alienation) استعمالات متنوعة في التراث الديني والفلسفي والسيكولوجي، أذ ظهرت فكرة الاغتراب لأول مرة في الفكر المسيحي خلال العصور الوسطى، بالذات في اللاهوت البروتستانتي وإلى لوثر وكالفن بالتحديد. وظهر هذا التنوع في استعمال مصطلح الاغتراب بعد ذلك كنتيجة مصاحبة لاختلاف الاتجاهات الفلسفية والسيكولوجية والسوسيولوجية التي اهتمت بتناول هذا المفهوم منذ أول استعمال فلسفي له في نظرية العقد الاجتماعي. إلاّ أن معظم التحليلات المعاصرة تكاد تجمع على أن أول من استعمل استعمال منهجي منظم لمصطلح الاغتراب من قبل هيجل في الفلسفة المثالية الألمانية في أواخر القرن الثامن عشر ومستهل القرن التاسع عشر. وبعد ذلك استعمل ماركس مصطلح الاغتراب في (مخطوطات 1844) وفي أجزاء أخرى من مؤلفه (رأس المال) وذلك في تحليله لطبيعة العلاقات الاجتماعية في النسق الرأسمالي للإنتاج
    لقد اشتقت كلمة الاغتراب من الكلمة اللاتينية "Alienation" والتي تعني نقل ملكية شيء ما إلى آخر، أو تعني الانتزاع أو الإزالة. وقد استعملت الكلمة اللاتينية ومشتقاتها في اللغتين الفرنسية والإنجليزية للدلالة على عدة معاني وهي:-
    1) المعنى القانوني: يشير إلى تحويل ملكية شيء ما إلى شخص آخر.
    2) المعنى الاجتماعي: التعبير عن الإحساس الذاتي بالغربة أو الانسلاخ سواء عن الذات أو عن الآخرين.
    3) المعنى السيكولوجي: وهو حالة فقدان الوعي، وعجز أو فقدان القوى العقلية أو الحواس.
    4) المعنى الديني: وهذا المعنى يتعلق بانفصال الإنسان عن الله، أي يتعلق بالخطيئة وارتكاب المعصية
    و يمكن القول أن الاغتراب ظاهرة إنسانية لها وجود في مختلف أنماط الحياة الاجتماعية. وعلى الرغم من حداثة دراسة الاغتراب كظاهرة نفسية تعبر عن معاناة الإنسان وصراعه مع ذاته ومجتمعه، إلا أن مفهوم الاغتراب لا يعد جديداً، فقد تناول موضوع الاغتراب العديد من الباحثين والمفكرين بالبحث والدراسة، فصدرت عنهم الكثير من المؤلفات والنشرات حول موضوع الاغتراب، وفيما يلي عرض لأبرز هؤلاء المفكرين:-
    تطرق هوبز في كتاباته إلى موضوع الاغتراب، مشيراً إلى معناه القانوني، سواء بالتخلي عن الشيء أو بنقله إلى الآخرين. فالفرد في نظر هوبز، لا يستطع أن يدخل في العقد الاجتماعي إلا إذا انتزع من نفسه الحق في أن يفعل أي شيء ينبغي أن يفعله، فينتقل إلى الأخر صاحب السلطة المطلقة والسيادة الكاملة حقه الطبيعي في استعمال قوته كما يريد، وذلك من أجل الحفاظ على حياته الخاصة
    ففي كتابه "التنين" يبين هوبز أن الاغتراب هو فعل إرادي حر، أو هو تضحية لا بد منها، يقوم بها الفرد من أجل منفعته ومصلحته، وحسب اعتقاد هوبز يكسب الفرد أكثر مما يخسر حينما يقوم بنقل ما يمتلكه من حقوق طبيعية إلى إنسان أخر، أو مجلس من الأفراد، يمثل السلطة والسيادة المطلقة.
    وقد ترددت فكرة الاغتراب عند لوك مماثلة لتلك التي كان يستعملها هوبز، ليشير إلى فكرة التخلي عن، أو التسليم إلى، … إلخ من كلمات تعبر عن نقل الحقوق الطبيعية وتسليمها إلى سلطة المجتمع
    وتعد نظرية العقد الاجتماعي المصدر الأساسي الذي استعمل فيه مفهوم الاغتراب في مجال الفلسفة، وأشار روسو إلى المفهوم القانوني للاغتراب مؤكداً على مسألة التنازل أو التخلي، إذ يتنازل الأفراد عن بعض أو كل حقوقهم وحرياتهم للمجتمع، وذلك بحثاً عن الأمن الاجتماعي في إطار المجتمع، كما أكد ذلك كل من هوبز ولوك. ويعد روسو من ابرز الفلاسفة المحدثين الذين تحدثوا عن الاغتراب قبل هيجل، وفي كتابه العقد الاجتماعي يتحدث روسو عن الاغتراب ليشمل معنيين الأول إيجابي والثاني سلبي.
    ففي المعاني الإيجابية يرى روسو إن الاغتراب يتمثل بالعملية التي من خلالها يقدم كل شخص ذاته للجماعة لتكون تحت توجيه الإرادة العامة، وتصبح جزءاً من الكل، وبذلك يكون الاغتراب هنا عاماً، يضع فيه الإنسان ذاته من أجل أهداف مهمة للجماعة.
    أما المعاني السلبية فيوجه فيه روسو نفده إلى الحضارة والمجتمع، إذ يرى روسو أن الحضارة قد سلبت الإنسان ذاته وصيرته عبداً للمؤسسات الاجتماعية، التي هو أنشأها وكونها، وأصبح تابعاً لها. من هنا يفقد الإنسان التناغم العضوي كما هو الحال في حالة الطبيعة فتحدث المشاكل بين ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان، وبين ما يكون عليه بالفعل وبذلك يحدث الاغتراب
    ومتأثراً بالمعنى السلبي للاغتراب عند روسو، جاء شيلر(1795)، وتناول موضوع الاغتراب عند الإنسان الحديث الذي يعاني الغربة والانفصال في ظل ظروف لا إنسانية تلك التي تمخضت عن الثورة الصناعية وأصبحت تهدد الإنسان كثيراً. ففي هذه الحياة يصبح الإنسان مجرد صورة مشوهة للعمل الروتيني الذي يؤديه وتعقيدات هذا العمل.
    ويشدد شيلر على انفصال الإنسان ما بين غرائزه الطبيعية، وملكاته العقلية، الأمر الذي ينعكس في داخل المجتمع، في شكل فوضى أخلاقية بسبب الحضارة.
    ويشير شيلر إلى موضوع آخر، حينما يتحدث عن الاغتراب الإيجابي، إذ تنفصل الذات عن العالم الخارجي وتتأمله بوصفه موضوعاً جمالياً، حيث تتحرر الذات من الحضارة لتصير ذاتاً فريدة متميزة
    لقد شاع استعمال مصطلح الاغتراب بما يقابل الانفصال في الفلسفة المثالية الألمانية، التي أصلت حالة الانفصال وأقامت نسقاً من الثنائيات المتقابلة. ويعد هيجل من أبرز المتحدثين عن الانفصال المتأصل في وجود الإنسان كفاعل وكموضوع لأفعال الآخرين. فالإنسان المغترب بالمفهوم التاريخي لدى هيجل هو ذاك الإنسان الذي يعيش في عالم ميت لا إنساني، عالم وصفه هيجل: "بأنه حياة متحركة للأموات". ومن ثم أكد ضرورة سلب هذا الوضع السائد، وقد ميز هيجل بين أنواع الاغتراب العديدة على مستوى الشخصية والنظم الاجتماعية والثقافة. وأثار قضية جوهرية وهي أن اغتراب الشخصية يكمن في الصدام بين ما هو ذاتي وما هو واقعي كما هو الحال بالنسبة لاغتراب العبودية.
    ويعد كارل ماركس أول من تناول الاغتراب بوصفه ظاهرة اجتماعية تاريخية سواء من حيث نشأتها أو تطورها، وبوصفه مفكرا علمانياً مادياً. فقد استقى ماركس مفهوم الاغتراب من أعمال هيجل، أذ كانت نقطة الانطلاق في تفكيره السياسي والاجتماعي هي فكرة اغتراب الإنسان عن الدولة كمواطن: وقد تدرج حتى وصل إلى فكرته الأساسية عن الاغتراب، وهي اغتراب الإنسان عن العمل من خلال فهمه للنظام الاقتصادي، إذ اهتم ماركس في دراسته للمجتمع بالواقعية والشمولية، وأن الإنسان أهم محور بالذات في العمليات الاقتصادية، وقد تناول ماركس الاغتراب الذي يصاحب العمليات الإنتاجية من أربعة زوايا هي:
    أولها اغتراب العامل = وكما معروف حينما يتكلم ماركس عن العمال يع ني بهم شغيلة اليد والفكر = عن ناتج عمله وثانيها اغتراب العامل عن عمله وثالثها اغتراب العامل عن نفسه وأخيرها اغتراب العامل عن الآخرين من هذا المنطلق ركز ماركس على الاغتراب كظاهرة تاريخية تتعلق بوجود الإنسان في العالم، اذ إن مصدر الاغتراب عنده هو الإنسان وليس التكنولوجيا، فالإنسان هو الذي يصنع ويضع الجهد لإنتاج الأشياء التي لا يملكها فعلاً، الأمر الذي يسبب الاغتراب لديه، وأن الحل المناسب لهذا الموضوع يتمثل في الاشتراكية والتي يتحرر فيها الإنسان من تبعية المال والملكية الفردية.
    أما أريك فروم، فقد تحدث عن الاغتراب بشكل عام، واستعمل في شرحه لهذا المفهوم مصطلحات عديدة، ويقر فروم أن هيجل هو الذي صاغ مفهوم الاغتراب، وأن هيجل وماركس قاما بإرساء أساس فهم مشكلة الاغتراب، وأنه يحاول تطبيق مفهوم ماركس عن الاغتراب على الموقف المعاصر .
    وقد استعمل فروم اصطلاح الاغتراب في كافة مجالات الحياة المعاصرة بصورة فعلية، اذ تناول الاغتراب في علاقة الإنسان بالطبيعة، بالآخرين، بالمجتمع، بذاته، وكذلك يتناول هذا الموضوع في علاقة الإنسان بعمله وبالأشياء.
    أما نظرة ((اميل دوركايم )) الى الاغتراب في سياق التحليل لما يطلق عليه بظاهرة (الانومي) أو تحلل المعايير. فهو يعتقد أن سعادة الإنسان لا يمكن تحقيقها بصورة مرضية ما لم تكن حاجاته متناسبة أو متوازية مع الوسائل التي يملكها لإشباعها. فإذا كانت الحالة تتطلب أكثر مما يستطيع أن ينال، أو أنها تشبع بطريقة متناقضة لما يحقق قناعته، فإنه يحس بألم وخيبة وإحباط
    إن عزلة الإنسان عن روابطه التقليدية وبعده عن التضامن الاجتماعي هي مصدر اغترابه في المجتمع الحديث. ويشير دوركايم إلى أن التصنيع والديموقراطية والنزعة العلمانية قد أدت إلى النزعة الفردية التي سادت التاريخ الحديث والتي بدت مظاهرها في اليأس والوحدة وخوف الذات واكتئابها وقلقها الزائد والتي هي مظاهر الاغتراب
    وقد عالج فيورباخ موضوع الاغتراب على أساس نقده للدين، اذ يتناول هذا الموضوع من جانبه السلبي ويؤكد أن الاغتراب حالة من فقدان الوجود الأصيل أو الغربة. وعلى الرغم من أن هيجل قد سبقه في هذا، إلا أن فكرة أن الدين تتمثل في اغتراب الإنسان عن جوهره الحقيقي هي فكرة تنتمي أصلاً إلى فيورباخ، اذ أن الاغتراب لدى فيورباخ يتمثل في الاغتراب الديني بين الإنسان والخالق، والذي هو أساس كل شيء سواء أكان نفسي أو اجتماعي أو فلسفي، فالخالق بخصائصه وقدراته مستقل عن الإنسان، مع العلم أن الحل من وجهة نظر فيورباخ تكمن في التصور الأنثروبولوجي للدين، حيث تعود للذات خصائصها ووجودها
    أما الوجوديون، إذ تعود جذور مفهوم الاغتراب لديهم في جزء كبير منها إلى الفكر الوجودي، خصوصاً عند كيركيجارد، رائد الوجودية الأول. ففي كتابه العصر الحالي يتعرض لقضية اغتراب الإنسان الحديث من خلال نقده لضياع الفرد داخل الحشد وفقدانه لتفرده وحريته، ويؤكد أن الإنسان الحديث حينما يضحي بحريته مقابل الطمأنينة الزائفة للجمهور يفقد ذاته كإنسان، أي أن الاغتراب ضياع لذات الإنسان في داخل المجموع (
    وقد أوضح شنايدر (Shneider, 1957) أن الاغتراب يعود إلى فقدان الإنسان لروابطه الأولية وعزلته، ويقصد بهذه الروابط علاقة الإنسان بمجتمعه المصغر من الأهل والأصدقاء، والتي يتحول بدونها إلى جماعة ثانوية. أما سكوت ((Scott, 1964 فقد أرجع الاغتراب إلى عدم الالتزام بالقيم، وعدم الامتثال إلى المعايير الاجتماعية والافتقاد إلى تحديد المسؤولية، وعدم القدرة على السيطرة أو التحكم في الإمكانات المتاحة
    إما النظرة الإسلامية إلى الاغتراب إذ لم ترد كلمة الاغتراب في القرآن الكريم، وان كانت قد ذكرت في أشعار الجاهليين قبل الإسلام ، وذلك بمعنى النوى والبعد عن الوطن. وحسب التصور القرآني فقد اغترب الإنسان عن الله، حينما عصى أمره وأكل من الشجرة المحرمة، فهبط من السماء وصار موجوداً على الأرض يعيش في أزمة، داعياً ربه أن يرحمه ويعينه إلى يوم القيامة
    لقد تطور مفهوم الاغتراب وكثرت المجالات التي استعمل فيها، وانتهى الحديث عنه كظاهرة نفسية تنتشر بين الأفراد فتجعلهم يشعرون بالانفصال النسبي عن أنفسهم ومجتمعاتهم، وقد دفع هذا الباحثين إلى اخضاع هذه الظاهرة للبحث العلمي لتحديد نسبة انتشارها، وتوضيح علاقتها ببعض المتغيرات. وقد حمل لواء هذا الاتجاه بعض علماء علم الاجتماع مثل ملفن سيمان، انطواني داندن وبلونر،اذ اهتم أنصار هذا الاتجاه وخاصة سيمان بتطوير التعريفات الواردة في التراث السوسيولوجي، السيكولوجي والفلسفي لموضوع الاغتراب بهدف تطويعها للعمل التجريبي، وقد تناول سيمان مفهوم الاغتراب من الناحية الاجتماعية، وظهر في بحثه المعروف حول معنى الاغتراب، خمسة معان أو أبعاد للاغتراب يمكن ان تكون وصفا لاغتراب المثقف العراقي وهي:-
    أولاً : فقدان السيطرة أو حالة اللاقدرة (Power lessens) وهذا المعنى للاغتراب يشير إلى شعور المثقف العراقي بأنه لا يستطع التأثير على المواقف الاجتماعية التي يتفاعل معها. فالمثقف المغترب هنا لا يتمكن من تقرير مصيره أو التأثير في مجرى الأحداث الكبرى أو في صنع القرارات المهمة التي تتناول حياته ومصيره فيعجز بذلك عن تحقيق ذاته.
    ثانياً : اللامعنى أو فقدان المعنى (Meaning lessens) وهنا يعني الاغتراب شعور المثقف بأنه يفتقر إلى مرشد أو موجه للسلوك والاعتقاد. والمثقف العراقي الذي يعيش حالة الاغتراب هنا يشعر بالفراغ الهائل نتيجة لعدم توفر أهداف أساسية تعطي معنى لحياته وتحدد اتجاهاته وتستقطب نشاطاته.
    ثالثاًً : اللامعيارية (Normal lessens) وهنا يعني الاغتراب شعور المثقف العراقي أن الوسائل غير المشروعة مطلوبة، وأنه بحاجة لها لإنجاز الأهداف. وهذه الحالة تنشأ حينما تتفكك القيم والمعايير الاجتماعية وتفشل في السيطرة على السلوك الفردي وضبطه.
    رابعاً : الانعزال الاجتماعي أو حالة العزلة واللاانتماء(Social Isolation ) والاغتراب هنا يشير إلي شعور المثقف بالغربة والانعزال عن الأهداف الثقافية للمجتمع. وفي هذه الحالة لا يشعر المثقف بالانتماء إلى المجتمع أو الأمة.
    خامساً : الاغتراب الذاتي أو النفور من الذات (Self-Estrangement) وهنا يشير الاغتراب لشعور المثقف بعدم القدرة على إيجاد الأنشطة المكافئة ذاتياً. بمعنى الاكتفاء الذاتي من نشاطاته ويفقد صلته بذاته الحقيقية ويصبح مع الزمن مجموعة من الأدوار والسلع والأقنعة، ولا يتمكن من أن يشعر بذاته ووجوده إلا في حالات نادرة.
    ووفق هذا المفهوم السوسيولوجي المتعدد الأبعاد لظاهرة الاغتراب فإنه يمكن النظر إلى المثقف المغترب على أساس أنه الشخص الذي لا يحس بفاعليته ولا أهميته ولا وزنه في الحياة. ويشعر تبعاً لذلك بانعدام تأثيره على المواقف الاجتماعية التي يتفاعل معها. والمثقف المغترب يشعر بأنه يفتقر إلى مرشد أو موجه للسلوك والاعتقاد ويشعر كذلك بأن اتساق القيم التي يخضع لتأثيرها أصبحت نسبية ومتناقضة وغامضة ومتغيرة باستمرار وبسرعة. وفي علاقاته ونشاطاته الاجتماعية يشعر المثقف المغترب بأنه لا يحقق ذاته ولا يشعر بسعادة فيها ويتجه تبعاً لذلك إلى العزلة والنفور من الذات.
    وينظر علماء الاجتماع رفض المغتربين ومنهم المثقفين في المشاركة السياسية في النظام السياسي، بأنه يمثل الطريقة الوحيدة التي قد تكون متاحة أمامهم ليعبروا بها عن مشاعرهم بالا قوة السياسية لديهم، وذلك في المجتمعات التي يتمتع بها النظام السياسي عادة بقوة الردع للسلوك المخالف لكن هذا الموقف يتغير في ظل التعددية السياسية أذ تصبح هذه المشاركة هي الوسيلة المناسبة للتعبير عن الرفض أكثر من وسيلة الرفض نفسها وقد خلصوا إلى نتيجة أن اللاإبالية السياسية وعدم المشاركة في الانتخابات من قبل المثقفين المغتربين ما هي إلا موقف يقصد به التأثير في البناء السياسي القائم .
    أن تدني مستوى المكانة الاجتماعية والاقتصادية للمغتربين ثقافيا، تسهم في ضعف مشاركتهم في العملية السياسية إذا ما قورنوا بغير المغتربين ذوي المستويات التعليمية الأعلى .
    أن ضعف دافعية المغتربين ثقافيا بالاشتراك في أي نشاط ثقافي،يمثل عجزا حقيقيا في وضع خططا مدروسة لفاعلية الدور الايجابي للثقافة وهذا يتطلب البحث في كيفيه وضع خطط للحد من اغتراب المثقف العراقي وبالمقابل هناك حالة من زيادة في دافعية المغتربين ثقافيا في النشاط الثقافي وفق ما هم يعتقدون به و غرضه التغيير في أفكار من حولهم وبأسلوب إيجابي و يحاولوا أن يغيروا ما لا يرضون عنه من أوضاع اجتماعية وسياسية والمجتمع العراقي اليوم أمس الحاجة إليه.
    إن ما مطلوب من المثقف ان يوجه عقله ويوظف طاقاته بما يشكل حصنًا في مواجهة الثقافات الوافدة، وذلك بأن يعمل على الموازنة لتحصين ذاته بالعقلية الناقدة لكل ما تبثه الفضائيات على مختلف توجهاتها لمواجهة التيارات الصريحة والمستترة التي تسعى لوأد مقومات الهوية والثقافة الوطنية وأسس التربية الصحيحة، بما يراعي الخصوصية العراقية
    إن المثقف العراقي بحاجة إلى مشاريع ثقافية لينهض من أزمته، لينتج إبداعات جديدة، والأهم من كل ذلك زيادة فسحة الحرية وتبني الديمقراطية أسلوبا حياتيا ولكي لا تتحول الديمقراطية في العراق من منحة إلى محنة أو من نعمة إلى نقمة لابد من السير في وضع تشريعات مستمدة من الدستور العراقي والسماح لمن يريد أن ينتقد من أجل التقويم والإصلاح وإلا فإن الثقافة يبقى دورها محجما في الوقت الذي بحاجة ماسة اليها في بناء العراق الجديد .
    أن المثقف ليس هو صانع قرار سياسي ولكن المثقف هو صانع فكر وصاحب قلم قد يكون مثقفا ولكنه لا يكتب..لأن الثقافة كل معقد تشتمل على الإلمام بشيء عن كل شيء
    أن المثقف العراقي ليس بحاجة إلى مؤسسات ثقافية تضعه رقما فيها بل أن تلك المؤسسات تكون في خدمته لا تحصره بسلوك الحضور والانصراف في جدران تحمل مسميات ثقافية بقدر ما تكون محطة لإبداعه وبناء تجربته الثقافية فيها .
    أن حاجة المجتمع للمثقف والثقافة لا تقل أهمية عن الخبز للشعب وكما قيل ليس بالخبز يحيا الإنسان ، لابد قبل أن نسعى لإخراج المثقف من غربته نمهد له من خلال تنمية نظرة المجتمع إلى الثقافة كقيمة إنسانية وغاية بحد ذاتها، وكوسيلة لا غنى عنها لتحقيق أي تقدم حقيقي في المجتمع
    أن المثقف العراقي الذي يحمل مشروعا تنويريا تجاه وطنه ومجتمعه من المخجل أن يكون مغيبا عن المشهد الثقافي العراقي وعلى النخب السياسية بكافة توجهاتها أن تقدم يد العون إليه هذا العون يكون وفق آليات تسمح للمثقف أن يبدي رأيه بعيدا عن التصنيف انه منتمي لجهة ما لا يقابل بالتهميش حينما لا يتوافق مع وجهة نظرنا .
    أن العراق اليوم بحاجة لكل أبنائه لأنهم مصدر العطاء ، ومصدر ديمومته وليس أحدا فيه أفضل من الأخر إلا بما يمتلكه من قدرات تميزه ثقافيا عن من غيره دون المساس بكرامة الآخرين .

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء يونيو 28, 2017 8:17 pm